جدة التاريخية، أو «البلد»، ليست مشروعًا عقاريًا جديدًا يبنى من الصفر، بل منطقة تراثية قائمة يجري العمل على إعادة إحيائها وحماية نسيجها العمراني وتحويلها إلى وجهة معيشية وسياحية وثقافية أكثر استدامة. وهذا الفارق مهم؛ لأن نجاح المشروع لا يقاس بعدد المباني الجديدة فقط، بل بقدرته على ترميم ما هو قائم، وإعادة استخدامه، وتنشيط الحياة اليومية داخله دون إلغاء هويته الأصلية.
تأتي أهمية جدة التاريخية من كونها مسجلة في قائمة اليونسكو للتراث العالمي منذ عام 2014، ومن دورها التاريخي كبوابة للحجاج القادمين بحرًا إلى مكة، ومركز تجاري وثقافي على البحر الأحمر. لذلك، فإن تطويرها يختلف عن تطوير واجهة بحرية حديثة أو حي سكني جديد؛ فالمطلوب هنا هو الموازنة بين الحماية العمرانية والتنشيط الاقتصادي وتحسين تجربة السكان والزوار.
ما المقصود بمشروع جدة التاريخية؟
مشروع جدة التاريخية هو مجموعة أعمال ومبادرات تهدف إلى إعادة إحياء منطقة البلد، وليس مشروعًا واحدًا محدودًا بمبنى أو فندق أو شارع. ويشمل ذلك ترميم المباني التراثية، وتحسين البنية التحتية، وتنشيط الاستخدامات الثقافية والتجارية والسكنية، وإعادة ربط المنطقة بواجهتها البحرية التاريخية.
وقد تأسس برنامج جدة التاريخية التابع لوزارة الثقافة في 2018 بهدف إدارة وتنمية المنطقة والحفاظ على تراثها المادي وغير المادي، ثم أُطلق مشروع إعادة إحياء جدة التاريخية في 2021 ضمن البرنامج، مع اعتماد مخطط عام يستهدف تطوير المجال المعيشي واستثمار عناصرها الثقافية.

لماذا لا يشبه تطوير البلد أي مشروع عمراني عادي؟
في المشاريع العقارية التقليدية، تبدأ القصة غالبًا من أرض فارغة أو مخطط جديد. أما في جدة التاريخية، فالقصة تبدأ من مبانٍ وأسواق ومساجد وأزقة لها قيمة تاريخية واجتماعية. لذلك، لا يمكن التعامل مع المنطقة باعتبارها مساحة للاستثمار فقط؛ لأنها تحمل ذاكرة عمرانية مرتبطة بالحج والتجارة والبحر الأحمر وحياة سكان جدة القديمة.
وتوضح اليونسكو أن جدة التاريخية لعبت دورًا رمزيًا كبوابة لمكة للحجاج القادمين عبر البحر، وأن هذا الارتباط بالحج ساهم في تكوين مجتمع متنوع من آسيا وأفريقيا والشرق الأوسط، كما ارتبط ازدهارها بالتجارة البحرية عبر المحيط الهندي والبحر الأحمر.
هذا يعني أن قيمة البلد ليست في المباني وحدها، بل في العلاقة بين المباني والشوارع والأسواق والحركة اليومية والتاريخ الاجتماعي للمنطقة.
من يدير التطوير اليوم؟
توجد جهتان أساسيتان يجب التمييز بينهما عند الحديث عن جدة التاريخية، الأولى هي برنامج جدة التاريخية التابع لوزارة الثقافة، وهو المعني بإدارة وتنمية المنطقة والحفاظ على تراثها والثانية هي شركة تطوير البلد، التي أعلن صندوق الاستثمارات العامة تأسيسها في 2023 لتكون المطور الرئيسي ومدير الأصول لمنطقة جدة التاريخية.
شركة تطوير البلد مملوكة بالكامل لصندوق الاستثمارات العامة، وتركز على تطوير البنية التحتية، والإشراف على ترميم المباني التاريخية، وتطوير مرافق خدمية وترفيهية وسكنية وتجارية وفندقية ومكتبية، مع الحفاظ على الطابع التراثي للمنطقة.
هذا الترتيب يوضح أن المشروع ليس مجرد مبادرة ترميم محدودة، بل إطار تطوير حضري واسع يربط بين التراث والاستثمار وجودة الحياة والسياحة.
ما حجم مشروع تطوير البلد؟
وفق إعلان صندوق الاستثمارات العامة عند تأسيس شركة تطوير البلد، تبلغ مساحة التطوير الإجمالية نحو 2.5 مليون متر مربع، مع مساحة بناء إجمالية قدرها 3.7 مليون متر مربع وتشمل الخطة نحو 9,300 وحدة سكنية، و1,800 وحدة فندقية، وحوالي 1.3 مليون متر مربع من المساحات التجارية والمكتبية.
هذه الأرقام مهمة، لكنها تحتاج إلى قراءة دقيقة، الرقم الخاص بالمساحة لا يعني أن المنطقة ستزال وتعاد بناؤها من جديد، بل يشير إلى نطاق تطوير داخل منطقة تاريخية قائمة كما أن المساحات السكنية والفندقية والتجارية يجب فهمها ضمن إطار إعادة الاستخدام والحفاظ على النسيج العمراني، لا كمشروع أبراج حديثة منفصلة عن طبيعة البلد.
ترميم المباني التراثية ليس هدفًا شكليًا
من أبرز مسارات العمل في جدة التاريخية إعادة إحياء المباني التراثية من خلال ترميمها وإعادة توظيفها لاستخدامات معاصرة، الصفحة الرسمية للبرنامج توضح أن هذه المبادرة تتحرك في مسارات تجارية وضيافة وثقافية وسكنية، وهو ما يعني أن الهدف ليس تحويل المباني إلى واجهات جميلة فقط، بل إعادة إدخالها في دورة الحياة الاقتصادية والاجتماعية.
وتظهر هذه الفكرة بوضوح في مبادرة الفنادق التاريخية، التي تعمل على ترميم وإعادة تأهيل مبانٍ تراثية وتشغيلها بالتعاون مع القطاع الخاص كفنادق تراثية ومن الأمثلة المذكورة رسميًا: بيت جوخدار، وبيت الريس، وبيت كدوان، وهي مبانٍ تقدم تجربة ضيافة مرتبطة بتاريخ المكان لا منفصلة عنه.
هذا المسار مهم لأنه يحول التراث من عنصر للعرض فقط إلى أصل اقتصادي قابل للاستخدام، بشرط ألا يفقد أصالته أو يتحول إلى نسخة تجارية مصطنعة.
الواجهة البحرية: ماذا يعني «إعادة البحر إلى البلد»؟
واحدة من أكثر المبادرات تميزًا في جدة التاريخية هي مبادرة تجديد الواجهة البحرية، التي تستهدف إعادة البحر إلى المنطقة، وبالتحديد ميناء البنط التاريخي، واستعادة صورة أقرب لما كانت عليه جدة التاريخية قبل تغيرات التوسع العمراني.
المبادرة لا تتحدث عن ممشى بحري عادي فقط، بل عن إعادة بناء علاقة المدينة التاريخية بالبحر ووفق البيانات الرسمية، تشمل المراحل إعداد منطقة البحر التي ردمت سابقًا، ومعالجة بحيرة الأربعين، ثم تطوير مرسى لليخوت، ومساحات خضراء، وجسور للمشاة، ومرافق عامة كما تذكر الصفحة الرسمية أرقامًا مثل واجهة بطول 4.4 كيلومتر، وحديقة بمساحة تقارب 260 ألف متر مربع، و3,600 شجرة.
أهمية هذه المبادرة أنها تعالج سؤالًا حضريًا أساسيًا: كيف يمكن لمنطقة تاريخية قامت حول البحر والتجارة والحج أن تستعيد جزءًا من علاقتها الأصلية بالماء بعد عقود من التغير العمراني؟
كيف تخدم جدة التاريخية السكان وليس السياح فقط؟
من الأخطاء الشائعة في فهم مشاريع التراث اعتبارها موجهة للسائح فقط، في حالة جدة التاريخية، تتحدث استراتيجية البرنامج عن خلق مجتمع أصيل وحيوي لقاطنيه، وتحويل المنطقة إلى وجهة لضيوفها، مع الحفاظ على البلد وتنميته وإعادة إحيائه بالتواصل مع السكان وأصحاب المصلحة.
هذا يعني أن نجاح المشروع لا يعتمد فقط على عدد الزوار أو الفنادق، بل على قدرة المنطقة على أن تظل مكانًا صالحًا للعيش والعمل والإبداع، فإذا تحولت البلد إلى واجهة سياحية خالية من الحياة اليومية، ستفقد جزءًا من قيمتها، أما إذا نجحت في الجمع بين السكان ورواد الأعمال والزوار والثقافة المحلية، فقد تصبح نموذجًا مختلفًا لإحياء المناطق التاريخية في المدن السعودية.
الفرق بين «جدة التاريخية» و«وسط جدة»
من المهم عدم الخلط بين مشروع جدة التاريخية ومشروع وسط جدة كلاهما في جدة ويرتبطان بتطوير المدينة، لكنهما ليسا المشروع نفسه، جدة التاريخية تركز على منطقة البلد المسجلة في اليونسكو، وعلى الترميم والحفاظ على النسيج العمراني وإعادة الإحياء الثقافي والاقتصادي، أما وسط جدة فهو مشروع تطوير حضري حديث على الواجهة البحرية بمكونات عمرانية وترفيهية وسكنية مختلفة.
هذا التفريق مهم للقارئ ولجودة المحتوى؛ لأن جمع المشروعين تحت عنوان واحد يؤدي إلى معلومات غير دقيقة، جدة التاريخية تقرأ بوصفها مشروع حماية وإحياء لمنطقة قائمة، بينما وسط جدة يُقرأ بوصفه مشروع تطوير جديد واسع النطاق على الواجهة البحرية.
ما الذي تم إنجازه وما الذي لا يزال يحتاج متابعة؟
توجد مبادرات نشطة ومعلنة داخل جدة التاريخية، منها إعادة إحياء المباني التراثية، والفنادق التاريخية، ومبادرة التسكين، ومبادرة تجديد الواجهة البحرية، لكن ذلك لا يعني أن كل مكونات المنطقة اكتملت أو أن مشروع التطوير انتهى. الحالة الأدق اليوم أن جدة التاريخية في مرحلة إعادة إحياء وتطوير مستمر.
ما يستحق المتابعة خلال الفترة المقبلة هو انتقال مزيد من المباني التراثية من الترميم إلى التشغيل، وتقدم مبادرة الواجهة البحرية، وظهور أثر شركة تطوير البلد في تحسين البنية التحتية والخدمات دون الإضرار بالطابع التاريخي كذلك، سيكون من المهم متابعة كيف ستتوازن المنطقة بين الضيافة والاستثمار والسكن المحلي، لأن هذا التوازن هو ما سيحدد ما إذا كان البلد سيعود كمركز حي داخل جدة، أم يتحول إلى وجهة سياحية موسمية فقط.
لماذا تعد جدة التاريخية مشروعًا ذا قيمة لعُمراني؟
جدة التاريخية تقدم حالة مختلفة عن كثير من المشاريع الكبرى؛ فهي لا تبدأ من طموح مستقبلي فقط، بل من إرث قائم يحتاج إلى إدارة دقيقة، قيمة المشروع تكمن في تحويل التراث إلى مجال حي للعيش والعمل والسياحة والثقافة، مع الحفاظ على هوية المكان وعدم تحويله إلى نسخة تجارية بلا روح.
ولهذا، فإن متابعة البلد لا يجب أن تقتصر على أخبار الافتتاحات أو أسماء الفنادق، بل يجب أن تركز على الأسئلة الأهم: هل تحافظ أعمال التطوير على النسيج العمراني؟ هل تعود المباني التراثية للاستخدام؟ هل تتحسن تجربة السكان والزوار؟ وهل تنجح المنطقة في استعادة علاقتها التاريخية بالبحر والأسواق والحياة اليومية؟